ما هي أسباب ضعف اللغة العربية في العصر الحالي؟
يتمنى كل أبٍ وأمٍّ أن يتحدث أطفالهما اللغة العربية بطلاقة وأن يقرؤوها بفهمٍ، وأن يعبِّروا من خلالها بكل ثقة، ولكنّ واقع اللغة العربية في عصرنا الحالي مختلف عن هذه الأمنيات، حيث يواجه الكثير من الآباء ضعفًا واضحًا في اللغة عند أبنائهم، وذلك من خلال مفرداتهم المحدودة وترددهم في الكلام ونفورهم من القراءة بالعربية أو الكتابة بها، والمشكلة الأكبر صعوبة التعبير عمَّا يريدون باللغة العربية.
وضعف اللغة العربية عند الأطفال لا تعني فشل الطفل أو تقصيرًا متعمدًا من الأهل، بل هي نتيجة طبيعية لنمط الحياة التي يعيشها أطفالنا مع الشاشات الذكية، وتراجع تعاملهم باللغة العربية في الحياة اليومية، لذلك سيكون هذا المقال مساعدًا للآباء على فهم أسباب ضعف العربية عند أطفالهم، واكتشاف دورهم الحقيقي في علاج هذه المشكلة.
ما هو الضعف اللغوي؟
الضعف اللغوي عند الطفل هو قصور في فهم اللغة العربية أو استخدامها بشكل مناسب لعمره، ويظهر في قلة المفردات أو ضعف تكوين الجمل أو صعوبة التعبير والفهم، وغالبًا لا يكون مرتبطًا بالذكاء، بل بنقص سماع اللغة العربية السليمة أو قلة الممارسة اليومية والتحدث بها، والضعف اللغوي يعني أن الطفل لا يستخدم اللغة العربية أو يفهمها بالمستوى المتوقع لعمره.
ويظهر ذلك في صور مختلفة مثل محدودية المفردات اللغوية وضعف قدرته على تكوين جمل عربية سليمة، وكذلك الأخطاء النحوية المتكررة، وصعوبة الفهم والاستيعاب بالعربية، وضعف واضح في التعبير الشفهي والكتابي، والضعف اللغوي لا يعني بالضرورة وجود إعاقة ذهنية لدى الطفل، وإنما قد يكون ناتجًا عن نقص التحفيز اللغوي، وعدم السماع الكافي للغة العربية الفصيحة في مراحل النطق الأولى عند الطفل.
أسباب ضعف اللغة العربية عند الأطفال
يعاني كثير من الأطفال من ضعف في اللغة العربية دون أن ينتبه الأهل إلى الأسباب الحقيقية وراء ذلك، ويكون السبب غالبًا في مجموعة من الممارسات اليومية البسيطة التي تتراكم مع الوقت، وتؤثِّر على لغة الطفل تأثيرًا بالغًا، وفيما يلي أهم الأسباب التي يجدر بالآباء الانتباه لها:
هيمنة اللغات الأجنبية
عندما يتعرّض الطفل للغة أجنبية بشكل مكثف منذ سنواته الأولى وقبل أن تتكوّن لديه قاعدة قوية في لغته الأم، فإنه يجد صعوبة في إتقان العربية فيما بعد، ويكون ذلك التعرُّض من خلال دراسته في المدارس الأجنبية أو مشاهدته للكرتون بلغةٍ أجنبية، أو الألعاب الإلكترونية، وحتى الحديث داخل المنزل بلغة غير العربية، كل ذلك يقلل من فرص احتكاك الطفل بالعربية، ويجعلها لغةً ثانوية في ذهنه، ولا يعني ذلك منع الطفل من تعلُّم لغةٍ أجنبية، ولكن على الأهل أولًا ترسيخ اللغة العربية كلغةٍ أساسية في البيت.
ضعف القراءة في سن مبكرة
تُعد القراءة حجر الأساس في تنمية اللغة العربية، وغيابها في السنوات الأولى يحرم الطفل من مصدر رئيسي لاكتساب المفردات والتراكيب اللغوية، فالطفل الذي لا يسمع القصص ولا يتعامل مع الكتب المصوّرة يعاني في أغلب الأحيان من فقر لغوي وضعف في الخيال وقلّة القدرة على التعبير؛ لأنَّ اللغة لا تُكتسب بالكلام فقط إنَّما بالاستماع والقراءة المستمرة ولو كانت قراءة قصة واحدة يوميًا، فهي تصنع فرقًا كبيرًا مع الوقت.
الاعتماد على اللهجات العامية بشكل مفرط
الاقتصار على استخدام اللهجة العامية في الحديث اليومي يؤدي إلى إضعاف علاقة الطفل باللغة العربية الفصحى، ولا سيما من حيث المفردات وبنية الجملة والأسلوب، فاللهجات على ما لها من أهميةٍ في التواصل اليومي، فهي لا توفِّر للطفل ثراءً لغويًا كافيًا، ولا تمكّنه من الانتقال السلس إلى القراءة والكتابة والفهم المدرسي، وذلك يخلق فجوة بين لغة البيت ولغة التعليم؛ ولذلك لا مشكلة في استخدم العربية الفصحى المبسطة في الحوار اليومي مع الطفل ولو بشكل تدريجي ولكن من المهم أن يكون مستمرًا.
الأساليب التعليمية التقليدية والمملة
تعتمد بعض الممارسات التعليمية على الحفظ والتلقين والتركيز المفرط على القواعد المجردة، دون ربط اللغة بالاستخدام اليومي أو توظيفها في مواقف حياتية، هذا الأسلوب يجعل اللغة العربية مادة جافة وصعبة في نظر الطفل، ويضعف دافعيته لتعلّمها، بدل أن تكون وسيلة للتعبير والتفكير والمتعة، فالطفل يتعلم اللغة بالاستخدام والحوار واللعب وليس بالحفظ فقط.
الاستخدام غير المنضبط للشاشات الرقمية
إنَّ قضاء وقت طويل أمام الشاشات دون توجيه لغوي يقلل من الحوار والتفاعل، وهما أساس تعلّم اللغة، كما أن معظم المحتوى الرقمي إما بلغة أجنبية أو بلغة عربية ضعيفة، والتقنية ليست مشكلة بحد ذاتها، المشكلة في غياب الاختيار الواعي والمتابعة، كما أنَّه يمكن استغلال حب الأطفال للشاشات بأن يختار الأهل تطبيقاتٍ تفاعلية ممتعة تعلمهم اللغة العربية وتطوّر من نطقهم لها.
دور البيئة والأهل في ضعف اللغة العربية لدى الطفل
إنَّ للأسرة دورًا أساسيًّا في تشكيل المهارات اللغوية لدى الطفل، فالطفل يتعلُّم أولًا من خلال سماع أهله وتقليديهم، وقد يرتكب الأهل أخطاء تضعف لغة الطفل العربية من خلال التحدُّث معه بلغةٍ أجنبية من أجل أن يتفوق بها دراسيًّا أو قلة الحوار معه باللغة العربية، وعدم تصحيح أخطائه اللغوية بلطف، وغياب القصص والكتب العربية عن المنزل، أمَّا نشأة الطفل في بيئة غنية لغويًا بحيث يسمع اللغة العربية الفصحى كلّ يوم يكسبه اللغة بشكل طبيعي وسلس ويطور من مهارات التفكير والتحليل لديه، ويصبح قدارًا على التعبير بها.
هل للمعلم والمناهج الدراسية دور في ضعف اللغة العربية؟
إنَّ للمعلم دورًا أساسيًا في تعزيز اللغة العربية لدى الطلاب أو إضعافها فهو النموذج اللغوي الأول داخل الصف، وعندما يعاني بعض معلّمي اللغة العربية من ضعف في التمكّن اللغوي أو في أساليب التدريس، فإنَّ ذلك ينتقل هذا الضعف تلقائيًا إلى المتعلّمين، كما أن افتقار بعض المعلمين إلى الوسائل التعليمية الجاذبة، واعتمادهم على الشرح التقليدي، وعدم امتلاكهم مهارات التحفيز والتدرّج اللغوي، كلها عوامل تقلل من تفاعل الطالب مع اللغة وتضعف مستواه فيها، ويُضاف إلى ذلك ما يُلاحظ من قصورٍ في إعداد المعلمين في بعض الجامعات، حيث لا يُزوَّد الخريجون دائمًا بالمهارات العملية اللازمة لتدريس اللغة العربية بأسلوب فعّال وحديث.
ولا يقتصر الأمر على المعلّم وحده إنَّما تمتد المشكلة إلى المناهج الدراسية نفسها والتي تُعدّ أحد الأسباب الرئيسة لضعف اللغة العربية، فبعض المناهج تتسم بالجمود والثبات، وتعتمد على الطرح النظري المكثف للمصطلحات النحوية والبلاغية والأدبية، من دون ربطها بتطبيقات عملية أو مواقف لغوية حياتية، كما أن الإسراع في إعداد المناهج دون منح الوقت الكافي لتنظيمها وبنائها بصورة مدروسة يؤدي إلى إنشاء مناهج ذات محتوى غير متدرّج ولا محفّز، ممَّا يجعل اللغة مادة صعبة وجافة في نظر الطالب بدل أن تكون وسيلة للفهم والتعبير.
أبرز حلول مشكلة ضعف اللغة العربية لدى أطفالنا
علاج ضعف اللغة العربية يبدأ من البيت، ويعتمد على خطوات صغيرة مستمرة تعزز مهارات الطفل في القراءة والاستماع والتعبير، وفيما يأتي أبرز الإجراءات العملية التي يمكن للأهل اعتمادها:
- الحوار اليومي بالعربية الفصحى المبسطة: من خلال جعل العربية لغة التواصل اليومي في المنزل تدريجيًا حتى لو بشكل بسيط.
- القراءة اليومية والقصص المصوّرة والمسموعة: من خلال تخصيص وقتٍ يوميٍّ للقراءة مع الطفل، واختيار القصص المناسبة لعمره.
- تشجيع الطفل على التعبير شفهيًا وكتابيًا: وذلك من خلال تحفيز على التعبير عن مشاعره وأفكاره، والمشاركة الحوارات العائلية من أجل تعزيز ثقة الطفل بنفسه.
- استخدام الألعاب والأنشطة التفاعلية: مثل ألعاب الكلمات المتقاطعة والألغاز اللغوية وأنشطة ترتيب الحروف والكلمات، فهي تجعل تعلم العربية ممتعً، كما أنَّ ربط اللعب بالتعلُّم يعزز الفهم ويثبّت المفردات بطريقة طبيعية.
- التحفيز الإيجابي والمكافآت: على الأهل مكافأة الطفل على كلِّ جهد يبذله في التعبير أو القراءة بالغة العربية، من خلال استخدام كلمات التشجيع، أو المكافآت البسطة التي تحفِّزه على الاستمرار في التعلُّم.
دور التطبيقات التفاعلية في تقوية اللغة العربية للطفل
تلعب التطبيقات التفاعلية دورًا مهمًا في تقوية اللغة العربية لدى الأطفال، فهي توفر محتوى جذابًا يجمع بين الصوت والصورة والحركة، مما يحفّز الطفل على التعلم والممارسة بشكل ممتع ومستمر، وتعتبر هذه التطبيقات وسيلة داعمة للأهل، خصوصًا عند اختيار تطبيقات عربية فصيحة، تحتوي على قصص وألعاب لغوية وتمارين تفاعلية مناسبة لعمر الطفل.
وتأتي تمكين العربية من ألف بي لتقدم كم مجموعة من الموارد الرقمية التي تساعد الأطفال على تحسين مفرداتهم، وصقل مهارات القراءة والاستماع وتعزيز قدرتهم على التعبير، مع الحفاظ على التفاعل الإيجابي بين الطفل واللغة، ومن خلال الاستخدام الذكي والمراقب لهذه التطبيقات بما فيها من قصص للأطفال وقسم خاص لتعليم الحروف والقراءة للطفل بالصوت والصورة، يمكن للأهل أن يجعلوا التعلم تجربة ممتعة وفعّالة، تكمّل جهودهم اليومية في البيت لتعزيز اللغة العربية لدى أطفالهم.
ختاما
إن ضعف اللغة العربية عند الأطفال ليس مشكلة فردية، بل قضية تربوية وثقافية تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع، فاللغة العربية هي وعاء الفكر والهوية، وحمايتها تبدأ من الطفولة من خلال الوعي والتخطيط السليم واستخدام الوسائل الحديثة بذكاء التي يمكننا من خلاله أن نعيد لأطفالنا علاقتهم القوية بلغتهم الأم ونمكّنهم من التعبير والفهم والإبداع بلغة عربية سليمة وواثقة.







