ما هو السجع مع أمثلة؟
تُعدُّ البلاغة العربية من أعرق العلوم التي نشأت لخدمة البيان العربي، ولفهم أسرار الجمال في النصوص القرآنية والأدبية، ومن أبرز الظواهر الأسلوبية التي ميَّزت النثر العربي وأكسبته إيقاعًا موسيقيًا خاصًا السجع في البلاغة العربية، فقد اقترن السجع منذ القديم بفن الخطابة والرسائل والوصايا، وارتبط أيضًا ببيان القرآن الكريم؛ ممَّا جعله محل اهتمام البلاغيين والنقاد عبر العصور.
ولا يقتصر الحديث عن السجع على كونه مجرد توافق في الحروف الأخيرة، إنَّما هو بنية صوتية ودلالية متكاملة، تُسهم في ترسيخ المعنى وتعميق الأثر في نفس المتلقي، وفي هذا المقال سنعرض تعريف السجع وأنواعه وخصائصه مع أمثلة على السجع من القرآن الكريم والسجع في الشعر العربي، في معالجة علمية معمَّقة تناسب الدارسين والمهتمين باللغة العربية.
تعريف السجع في البلاغة العربية
السجع في اللغة من الفعل سجع ويسجع سجعًا، ومعناه استوى أو استقام وأشبه بعضه بعضًا، ويُقال سجع الجمام أي موالاة صوتها على طريق واحد، ويُقال سَجعَ الرَّجل إذا تكلَّم بكلامٍ مقفَّى غير موزون، أمَّا في الاصطلاح فهو توافق الفاصلتين من النثر أو الشعر على حرف واحد، وهو كالقافية في الشعر، وهذا يعني أنَّ اتفاق الكلمتين في الأخير يُسمَّى سجعًا، والكلمة سجعة، ويطلق عليها قرينة لمقارنتها الكلمة الأُخرى وقد تُسمَّى فقرة، ويأتي السجع على أنواعٍ عدَّة سنذكرها فيما بعد.
وقد تناول مفهوم السجع عدد من علماء البلاغة، ومن أبرزهم عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز، حيث أشار إلى أن جمال الأسلوب لا يقوم على مجرد التشابه الصوتي إنّما على تناسب المعاني مع الألفاظ، وأن السجع إذا جاء عفوًا غير متكلف كان أدعى إلى القبول وأقرب إلى البلاغة، كما تناول السكاكي السجع في كتابه مفتاح العلوم ضمن أبواب علم البديع، وبيَّن أن السجع من المحسنات اللفظية التي تُحسِّن العبارة وتزيدها رونقًا إذا لم تطغَ على المعنى.
ويتميَّز تعريف السجع بأنه خاص بالنثر بخلاف القافية في الشعر، فالسجع في الشعر ليس هو الأصل، لأن الشعر يقوم على نظام موزون ومقفَّى، بينما يأتي السجع في النثر ليمنحه إيقاعًا قريبًا من الإيقاع الشعري دون أن يقيّده ببحر أو وزن.
ما هي أنواع السجع؟
ينقسم السجع في البلاغة العربية إلى أنواع متعددة بحسب طبيعة التوافق بين الفواصل، وبحسب درجة التماثل بين الجمل المسجوعة، وقد درج البلاغيون على تقسيمه إلى أربعة أنواعٍ رئيسية:
السجع المرصَّع
وهو ما اتفقت فيه كل ألفاظ القرنيتين أو الجملتين أو أكثرها في الوزن والتقفية هو أرقى الأنواع وأشدها إحكامًا، نحو القول: “إن بعد الكدر لصفوًا، وإن بعد المطر لصحوًا”، وقد اتفقت في المثال ألفاظ الجملة الأولى مع نظائرها من الجملة الثانية.
السجع المتوازي
وهو ما اتفقت فيه الفاصلتان؛ أي الكلمتان الأخيرتان من كل جملة في الوزن والقافية مع اختلاف ما عداهما، ومن أمثلته قول: “اللهمّ إن كنتُ قد ابتليت فإنَّك طالما قد عافيت”، السجع في الكلمتين ابتليت وعافيت.
السجع المُطرَّف
وهو ما اختلفت فيه الفاصلتين في الوزن واتفقتا في التقفية، وقد سمِّي السجع مطرَّفًا لأنَّ التوافق بين الفاصلتين واقع في الطرف، وهو الحرف الأخير، ومثاله قول الله تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}، والسجع في الكلمتين وقارا وأطوارا فقد اتفقتا في القافية واختلفا في الوزن.
السجع المشطور
ويسمَّى أيضًا التشطير، وهو خاص بالشعر وهو أن يكون لكل شطرٍ من البيت قافيتان مغايرتان للشطر الآخر في الراوي، نحو قول الشاعر أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقمٍ لله مرتغبٍ في الله مرتقبِ
السجع في الشطر الأول مبني على حرف الميم، وفي الشطر الثاني مبني على حرف الباء.
أنواع السجع تبعًا للطول والقصر
يأتي السجع في الكلام إمَّا طويلًا أو قصيرًا وسنشرحهم بالتفصيل فيما يأتي:
السجع القصير
وهو ما كانت فيه كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظٍ قليلة، وكلَّما كان عدد الألفاظ قليلًا، كان السجع أحسن، فإذا كانت الأطراف متقاربة استساغتها الآذان لقربها من سمع السامع، وهذا النوع يعدُّ أوعر أنواع السجع وأصعبها، ولا يستعمل إلا نادرًا، وأحسن أنواع السجع القصير ما كان مؤلفًا من لفظين، كقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}.
السجع الطويل
وهو ما كانت فيه كل واحدة من السجعتين مؤلفة من إحدى عشرة كلمة وحتى العشرين، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، فالفقرة الأولى مبنية على إحدى عشرة كلمة، والفقرة الثانية مبنية على ثلاث عشرة كلمة.
أمثلة على السجع في القرآن الكريم
عند الحديث عن أمثلة على السجع لا يمكن إغفال البيان القرآني الذي مثَّل ذروة الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية، وقد اختلف العلماء في توصيف الظاهرة الصوتية في القرآن، فبعضهم تحاشى إطلاق لفظ السجع عليه، وسمَّاه بالفواصل القرآنية؛ تمييزًا له عن سجع الكهان الذي كان معروفًا في الجاهلية، ومن أبرز من ناقش هذه القضية جلال الدين السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن، ومن أمثلة الفواصل في القرآن الكريم ما يأتي:
- قال تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}، السجع هنا سجع مرصَّع.
- قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}، السجع هنا سجع مرصَّع.
- قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}، السجع هنا سجع متوازٍ.
- قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}، والسجع هنا سجع مطرَّف.
- قال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}، والسجع هنا مطرَّف.
أمثلة على السجع في الشعر العربي
أمَّا عن السجع في الشعر فعلى الرَّغم أن الأصل في الشعر هو الوزن والقافية، فإن بعض الشعراء لجؤوا إلى إدخال توازٍ صوتي داخلي بين الأشطر أو الأبيات، يُشبه السجع من حيث الإيقاع، وإن كان يخضع للنظام العروضي، ويظهر ذلك في بعض القصائد ذات الطابع الخطابي أو الحكمي، حيث تتكرر نهايات متشابهة داخل البيت الواحد، ومثال السجع في الشعر ما يأتي:
- قال الشاعر: ومكارم أوليتها متبرعًا وجرائم ألغيتها متورعًا
السجع في هذا البيت سجع مرصَّع - قال الشاعر: فنحن في جذلٍ والروم في وجلٍ والبرُّ في شغلٍ والبحر في خجلٍ
السجع في هذا البيت سجعٌ متوازٍ.
ختاما
إنَّ إتقان السجع في البلاغة العربية لا يتحقق بمجرد حفظ تعريف السجع أو معرفة أنواعه، إنَّما يحتاج إلى تدريب عملي على قراءة النصوص البليغة وتحليلها، ثم محاولة الكتابة بأسلوب متوازن يجمع بين جمال الصوت وعمق المعنى، في تطبيق تمكين العربية من ألف بي، نؤمن أنَّ تعلُّم البلاغة لا ينبغي أن يكون نظريًّا جافًّا، إنَّما تجربةً حيّةً يتذوق فيها المتعلم جمال اللغة ويكتشف أسرارها؛ ولذلك نحرص في البرنامج التعليمي في تمكين على ما يأتي:
- تقديم شروح مبسطة وعميقة لعلوم البلاغة، بالإضافة إلى أمثلة تطبيقية متنوّعة.
- تحليل نصوص من القرآن الكريم والنثر العربي والشعر؛ لإبراز خصائص السجع وأثره في بناء المعنى.
- تنمية الحس اللغوي من خلال القراءة الواعية والممارسة المستمرة.
- تدريب المتعلم على كتابة فقرات مسجوعة بطريقة طبيعية غير متكلفة.







