المجاز المرسل في البلاغة العربية: العلاقات والأمثلة

المجاز المرسل في البلاغة العربية من أبرز أساليب البيان التي تُثري اللغة العربية، إذ يعتمد على استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي لعلاقة غير المشابهة مع وجود قرينة تدل على المعنى المقصود، ويُسهم فهم علاقاته وأمثلته في تنمية التذوق البلاغي وتحسين مهارات قراءة النصوص العربية وتحليلها.

يُعدُّ المجاز المرسل في البلاغة العربية أحد أهم أساليب التعبير التي منحت اللغة العربية ثراءً دلاليًا وجمالًا بيانيًا فريدًا، فاللغة العربية لا تعتمد على الألفاظ بمعانيها الحرفية فحسب، وإنما تمنح المتكلم والكاتب مساحة واسعة للتعبير غير المباشر؛ ممَّا يجعل المعنى أكثر عمقًا وتأثيرًا في نفس المتلقي؛ ولهذا احتل المجاز مكانة بارزة في علوم البلاغة، واعتنى به العلماء منذ القرون الأولى لما له من دور في إبراز جمال القرآن الكريم وروعة الشعر العربي وفصاحة النثر.

ويختلف المجاز المرسل عن الاستعارة في نقطة جوهرية؛ إذ لا تقوم العلاقة فيه على المشابهة، وإنما على علاقات أخرى متعددة مثل السببية والجزئية والكلية والمحلية وغيرها، وهذه العلاقات تجعل اللفظ ينتقل من معناه الحقيقي إلى معنى مجازي تربطه به صلة واضحة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي.

في هذا المقال سنتعرف بالتفصيل إلى ما هو المجاز المرسل في البلاغة العربية وأهم علاقاته مع أمثلة تطبيقية من القرآن الكريم والشعر العربي، ثم نختم بكيفية تعلمه بسهولة مع تمكين العربية من ألف بي.

ما هو المجاز المرسل في البلاغة العربية؟

وهو استخدام الكلمة في غير ما وضعت له في الحقيقة لعلاقة غير المشابهة، وقد سُمي المجاز المرسل لما له من علاقات كثيرة، ويندرج المجاز المرسل ضمن المجاز اللغوي، وهو أحد النوعين الرئيسيين للمجاز إلى جانب الاستعارة، ويتميز المجاز اللغوي بأنه يعتمد على نقل اللفظ إلى معنى آخر لعلاقة معتبرة في اللغة، مع وجود قرينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي.

علاقات المجاز المرسل في البلاغة

تعتمد دلالة المجاز المرسل في البلاغة العربية على وجود علاقة تربط بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وهذه العلاقة هي الأساس الذي يميز المجاز المرسل عن غيره من الأساليب البلاغية، ولا سيما الاستعارة التي تقوم على المشابهة، وقد اجتهد علماء البلاغة في حصر أشهر هذه العلاقات، وذلك مع الإشارة إلى أن بعضها أكثر شيوعًا من غيره في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي، وفيما يأتي شرح لعلاقات المجاز المرسل مع الأمثلة:

العلاقة السببية

وهي أن يذكر السبب ويُراد المسبَّب، ومثاله قول الشاعر:
لهُ أيادٍ علي سابغةٌ    أعدُّ منه ولا أعدّدها
وفي كلمى أيادٍ مجازٌ مرسل علاقته السببية، وأيادٍ جمع يد وذكر الشاعر السبب وأراد المسبَّب وهو الفضل.

العلاقة المسبَّبية

وهي أن يُذكر المسبَّب ويُراد السبب، وذلك مثاله في قوله تعالى: {وينزّلُ لكم من السماءِ رزقًا}.
والمجاز في الآية في كلمة رزقًا لأنّ الذي ينزل من السّماء هو المطر وهو الذي يسبب الرزق، فذُكر المسبَّب وأُريد السبب فالعلاقة مُسبَّبية.

اعتبار ما كان

وهو أن يُذكر الشيء باسم ما كان عليه في الماضي، لذلك تُسمى هذه العلاقة بالعلاقة الماضوية، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ}.
المجاز المرسل في كلمة مجرمًا، ومعلوم أنّه كان مجرمَا في الحياة الدنيا فالإجرام والإفساد والكفر والتقى والإيمان والتوحيد، فكل هذه الأعمال يزرعها في دنياه ليحصدها آخرته، إذ الدنيا هي المزرعة، والآخرة هي دار الثواب أو العقاب، فذكر مجرمًا باعتبار ما كان عليه في الماضي أي الدنيا.

اعتبار ما سيكون

وهو أ يذكر الشيء باسم ما يصير إليه مستقبلًا؛ لذلك قد تسمى هذه العلاقة بالعلاقة المستقبلية، ومثال ذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}

والمجاز في فاجرًا وفي كفارًا لأنّ المولود حينما يولد لا يكون فاجرًا ولا كافرًا، ولكنه قد يصير كذلك عندما يكبر في هذه البيئة بيئة الكافرين، أي أنّ هذين اللفظين ذُكرا باعتبار ما سيكون عليه المولود من هؤلاء مستقبلًا.

العلاقة الجزئية

وهي أن يذكر الجزء ويُراد الكل، قال تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}، المجاز في كلمة رقبة، والمراد هنا تحرير إنسان عبد مؤمن، والرقبة جزء من الإنان فذُكر الجزء وأريد الكل، وقد ذكرت الرقبة من بين كل أجزاء الإنسان لأنّها محل الفك والتحرير.

العلاقة الكلية

وهي أن يُذكر الكل ويراد الجزء، وجاء مثالها في قوله تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}.

والمجاز في أصابعهم، فقد ذُكر الكل وأُريد الجزء أي رؤوس الأصابع، فلا يمكن أن يضعوا أصابعهم كلها في آذانهم، والمراد هنا المبالغة وأنّهم لا يريدون سماع النبي أبدًا.

العلاقة الآلية

وهي أن تُذكر آلة الشيء ويُراد أثرها، وورد ذلك في قوله تعالى: {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}، والمراد أ يأتوا به على مرأى الناس، والأعين هي آلة الرؤية، فالمجاز هنا علاقة آلية إذا ذُكرت الآلة وأريد أثرها.

العلاقة الحالية

وهي أن يُذكر الحالّ ويُراد المحلّ، وورد ذلك في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، المجاز هنا في كلمة رحمة، وهو أمرٌ حالٌّ في الجنة، والمراد الجنة ذاتها، فإطلاق الرحمة وهي الحالّ وإرادة الجنة وهي المحلّ أي محل الرحمة مجاز مرسل وعلاقته حالية.

العلاقة المحلية

وهي أن يُذكر المحلّ ويُراد الحالّ به، وورد ذلك في قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ* سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}، والمجاز في ناديه لأنّ النادي محل الاجتماع والمراد عشيرة الرجل المتحدّث عنه وهو أبو جهل وأنصاره، وقد ذكر المحلّ ناديه، وأراد الحالّ به العشيرة والأنصار.

علاقة المجاورة

وهي أن يُذكر الشيء ويُراد ما يجاوره، كما ورد في قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه   ليس الكريم على القنا بمحرَّمِ
والمجاز في ثيابه والمراد الجسم، وقد عبّر بلفظ الثياب لأنّها تجاور القلب أو الجسم.

أمثلة على المجاز المرسل من القرآن الكريم والشعر العربي

ذكرنا فيما سلف علاقات المجاز المرسل بالتفصيل مع أمثلة عليها من القرآن الكريم والشعر العربي، وفيما يأتي مجموعة من الأمثلة الموضحة كذلك:

  • قال تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ}، والمجاز في كلمة عينها، وعلاقته جزئية فالعين جزء من الإنسان.
  • قال الشاعر: ألمّا على معن وقولا لقبره    سقتك الغوادي مربعًا بعد مربع
    المجاز المرسل في كلمة معن إذا ذكر الحلّ وأراد المحلّ وهو القبر.
  • قال الشاعر: إنّي نزلت بكذابين ضيفهم  عن القرى وعن الترحال محدود
    المجاز المرسل في كذابين وعلاقته حالية إذا ذكر الحلّ وأراد المحلّ أي الديار.

تعلّم المجاز المرسل مع تمكين العربية من ألف بي بالشرح والأمثلة

قد تبدو موضوعات البلاغة العربية صعبة في البداية بسبب كثرة المصطلحات وتشابه بعض المفاهيم، إلا أن الصعوبة غالبًا لا تكمن في البلاغة نفسها إنّما في طريقة عرضها.

فعندما تُقدَّم القواعد في صورة تعريفات مجردة دون أمثلة أو تطبيقات، يشعر المتعلم بأن البلاغة علم معقد، بينما هي في حقيقتها وسيلة لفهم جمال اللغة العربية وأسرارها.

في تطبيق تمكين العربية من ألف بي نؤمن بأن تعلم البلاغة يبدأ من الفهم لا من الحفظ؛ لذلك نحرص على تقديم موضوعات مثل المجاز المرسل في البلاغة العربية بأسلوب مبسط يجمع بين الشرح النظري والأمثلة التطبيقية من القرآن الكريم والشعر العربي والنصوص الأدبية الحديثة.

كما نركز على تدريب المتعلم على اكتشاف علاقات المجاز المرسل بنفسه، وتحليل النصوص خطوة بخطوة، حتى تتحول القواعد البلاغية إلى مهارة عملية يمكن توظيفها في القراءة والكتابة والتذوق الأدبي.

ختاما

يمثل المجاز المرسل في البلاغة العربية أحد أبرز مظاهر ثراء اللغة العربية ومرونتها، فهو لا يكتفي بنقل المعنى، بل يضفي عليه عمقًا وجمالًا وإيجازًا يجعل النص أكثر تأثيرًا في المتلقي، ومن خلال التعرف إلى ما هو المجاز المرسل، وفهم علاقات المجاز المرسل، والتدرب على تحليل الأمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي، يصبح الدارس أكثر قدرة على تذوق النصوص واستيعاب أسرارها البلاغية.

 ومما لا شكّ فيه أن تعلم البلاغة يحتاج إلى ممارسة مستمرة وقراءة واعية، لذلك فإن الجمع بين الشرح المبسط والتطبيق العملي هو الطريق الأمثل لإتقان هذا الفن اللغوي، ومع المصادر التعليمية المناسبة والتدريب المنتظم، سيصبح المجاز المرسل أداة لفهم النصوص العربية بعمق، وإثراء أسلوب الكتابة والتعبير، واكتشاف الجمال الكامن في اللغة العربية.

المصادر

Picture of Haneen Shodab
Haneen Shodab
كاتبةُ محتوى ومعلّمةُ لغةٍ عربية؛ دخلتُ عالم الكتابةِ وبجعبتي حبٌّ كبيرٌ للغتي العربيَّة، اللُّغة التي درستها بحبٍّ وتفانٍ، صديقي الحرفُ والقلمُ والعالمُ الرَّقميُّ، وكلُّي أملٌّ أن أُقدِّم الفائدةَ والعِلمَ.
إذا وجدت هذه المقالة مفيدة، يرجى مشاركتها مع أصدقائك لنشر المعرفة!
Facebook
LinkedIn
Telegram
X
منشورات أخرى