المقابلة في البلاغة العربية: شرح وافي مع أمثلة واضحة

ما هي المقابلة في المحسنات البديعية؟

 تُعدّ المقابلة في البلاغة العربية من الأساليب البيانية التي تعكس عمق اللغة العربية وثراءها، إذ تقوم على الجمع بين المعاني المتقابلة في سياق واحد يُبرز الفكرة ويقوّي أثرها في نفس القارئ، ولا يقتصر هذا الفن البلاغي على التزيين اللفظي، بل يُستخدم لتوضيح المعنى وتعميقه، وإحداث توازن دلالي يمنح النص قوة وجمالًا في آنٍ واحد.

في هذا المقال، نتعرّف إلى المقابلة بأسلوب واضح ومبسّط، مع أمثلة مختارة من القرآن الكريم والشعر العربي، وبيان الفرق بينها وبين الطباق، إضافة إلى أفضل السبل لإتقان دراستها مع تمكين العربية.

تعريف المقابلة في البلاغة العربية؟

المقابلة في البلاغة هي من المحسنات البديعية، أو محسنات علم البديع، وهي أن يأتي المتكلم بمعنيين متوافقين أو أكثر، ثم يقابل ذلك موافقةً أو تضادًا، أو يمكن أن نقول بأنَّها تعني أن يُؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يُؤتى بما يقابلها على الترتيب في المعنى، ومثالها البسيط: سواد الليل وبياض النهار، وللمقابلة أهمية في علم البلاغة لأنها تقوّي المعنى وتوضحه، وتساعد على الإقناع والتأثير، وتُكسب الكلام جمالًا موسيقيًا، وتسهل حفظ النص وفهمه.

أنواع المقابلة في البديع

تنقسم المقابلة في علم البديع إلى أنواع متعددة، تختلف بحسب عدد الألفاظ والمعاني المتقابلة وهي كما يأتي:

مقابلة اثنين باثنين

وهي أبسط أنواع المقابلة، حيث يكون التقابل فيها بين معنيين ومثليهما، ومثالها قول أبو جعفر المنصور: “لا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل المعصية“، وهناك تقابل في الجملة السابقة بين عز وذل، والطاعة والمعصية.

مقابلة بين ثلاثة وثلاثة

ويكون فيها ثلاثة ألفاظ أو معانٍ، ثم يقابلها ثلاثة أخرى على الترتيب، ومثالها في قول الشاعر:
فلا الجود يُفني المال والجد مقبلٌ  ولا البخل يبقي المال والجد مدبرٌ

والمقابلة هنا بين الجود يفني والجد مقبل، والبخل يبقي والجد مدبر.

مقابلة بين أربعة وأربعة

وهنا تكون المقابلة بين أربعة معانٍ وأربعة تقابلها، وهو غاية ما استحسنه البلاغيون لبعده عن التكلف، ومثالها قوله أبي بكر الصديق عندما كان يوصي قبل وفاته: ” هذا ما أوصى به أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها”، فالمقابلة بين أربع كلمات على الترتيب وهي آخر وأول، والدنيا والآخرة، وداخلًا وخارجًا، ومنها وفيها.

مقابلة خمسة بخمسة

وهي مقابلة يقول البلاغيون بالتكلف فيها، حيث تكون بين خمسة معانٍ وخمسة تقابلها، ومثالها قول الشاعر:
بواطئ فوق خدِّ الصبح مشتهرٍ  وطائرٍ تحت ذيل الليل مكتتمِ
والمقابلة هنا بين بواطئ وطائر، وفوق وتحت، وخدّ وذيب، والصبح والليل، ومشتهر ومكتتم.

ما هو الفرق بين الطباق والمقابلة

في الحديث عن الفرق بين الطباق والمقابلة، فهي كالطباق ولكنها أعم، وقد قيل إنّ المقابلة هي طباق متعدد، فمثلا بين الليل والنهار طباق، أمَّا بين سواد الليل وبياض النهار فهي مقابلة.

أمثلة على المقابلة في القرآن الكريم والشعر العربي

هناك أمثلة كثيرة على المقابلة في القرآن الكريم والشعر العربي، وسندرج لكم بعضها فيما يأتي:

أمثلة على المقابلة من القرآن الكريم

  •       قال الله تعالى: {لْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
    الشرح: المقابلة هنا بين يضحكوا ويبكوا، وقليلًا وكثيرًا.
  •       قال الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}.
    الشرح: المقابلة هنا بين يحل ويحرم، ولهم وعليهم، والطيبات والخبائث.
  •       قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}.
    الشرح: المقابلة بين أعطى وبخل، اتقى واستغنى، صدَّق وكذَّب، لليسرى وللعسرى.
  •       قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
    الشرح: المقابلة بين أذلة وأعزة، والمؤمنين والكافرين.

أمثلة على المقابلة من الشعر العربي

  • قال الشاعر: فواعجبًا كيف اتفقنا فناصحٌ   وفيٌّ، ومطويّ على الغل غادرُ الشرح:والمقابلة هنا بين ناصح وطوي على الغل، ووفي وغادر.
  • قال الشاعر: فإذا حاربوا أذلوا عزيزًا     وإذا سالموا أعزوّا ذليلًا
    الشرح: المقابلة بين حاربوا وسالموا، وأذلوا وأعزوا، وعزيزًا وذليلًا.
  • قال الشاعر: يا أُمةً كان قبح الجَور يسخطها    دهرًا فأصبح حُسن العدل يرضيها الشرح:المقابلة بين قبح وحُسن، والجَور والعدل، ويسخطها ويرضيها.
  • قال الشاعر: علىرأس عبد تاج عزٍّ يزينه   وفي رِجل حر قيد ذل يشينه
    الشرح: المقابلة بين رأس ورِجل، عبد وحر، تاج وقيد، عز وذل، يزينه ويشينه.

كيف تدرس المقابلة مع تمكين العربية من ألف بي؟

يُقدّم تمكين العربية من ألف بي تجربة تعليمية متكاملة تساعد الدارسين على فهم البلاغة العربية، ومن بينها المقابلة، بطريقة مبسّطة ومنهجية تجمع بين الشرح الواضح والتطبيقات العملية، إذ تعتمد تمكين العربية على عرض دروس البلاغة بأسلوب تدريجي يناسب مختلف المستويات، مع الإكثار من الأمثلة القرآنية والأدبية المشروحة، والتدريبات التطبيقية التي تُنمّي مهارة التحليل البلاغي لدى المتعلّم.

كما يهدف إلى ربط المفاهيم البلاغية بالنصوص اللغوية القديمة والحديثة، بما يعزّز الفهم العميق ويجعل دراسة المقابلة في البلاغة العربية تجربة ممتعة ومثمرة، تُسهم في رفع الكفاءة اللغوية والاستعداد الجيد للاختبارات والدراسة الأكاديمية.

ختاما

تبيَّن لنا أنَّ المقابلة ليست مجرد أسلوب بلاغي للتزيين اللفظي، بل وسيلة تعبيرية فعّالة تُبرز المعنى وتعمّقه من خلال الجمع بين المتقابلات في صورة متوازنة ومؤثرة، وقد أسهمت المقابلة في إغناء النصوص الأدبية والشعرية بجمالٍ بياني ودلالة واضحة، مما يجعل فهمها وإتقانها خطوة أساسية لكل دارس للغة العربية.

المصادر

إذا وجدت هذه المقالة مفيدة، يرجى مشاركتها مع أصدقائك لنشر المعرفة!
Facebook
LinkedIn
Telegram
X
منشورات أخرى