ما هو أثر القرآن الكريم في تمكين اللغة العربية ونشرها؟

ما هو دور القرآن الكريم في الحفاظ على اللغة العربية؟

شكّل نزول القرآن الكريم نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ اللغة العربية؛ فقد انتقلت بسببه من نطاقها الجغرافي والثقافي المحدود إلى فضاء عالمي واسع، ومن كونها أداة تواصل بين القبائل العربية فقط إلى وعاء حضاري يحمل رسالة دينية وإنسانية خالدة، ولم يكن هذا التحوّل سطحيًا أو مؤقتًا، إنما أحدث تغييرات عميقة في بنية اللغة وعلومها وانتشارها ومكانتها بين لغات العالم.

وتمكين اللغة العربية لم يتحقق بالجهود البشرية للصحابة ومن أتى بعدهم من الأجيال المسلمة فحسب، بل كان حفظًا إلهيًّا بحفظ القرآن الكريم، فكان حفظ النص القرآني حفظًا للغة ذاتها، وقد نشأت علومٌ وتأسست مدارس لغوية ووُضعت قواعد وأُلّفت معاجم كلّها بهدف خدمة القرآن وفهمه.

في هذا المقال سوف نستعرض أثر القرآن الكريم في تمكينُ اللُّغةِ العربيَّةِ ونشرها، بدءًا من حالها قبل نزوله ومرورًا بأسباب اختيارها لغة للوحي ووصولًا إلى أثره في البلاغة العربية، وأخيرًا ما هي سبل تعلّمها في عصرنا الحالي عبر الوسائل الرقمية الحديثة.

اللغة العربية قبل نزول القرآن الكريم

لنفهم حجم التحول الذي أحدثه القرآن الكريم في اللغة العربية لا بدَّ أن نعود إلى واقعها قبل نزوله، فقد كانت للغة تعتمد على المشافهة اعتماديًا شبه كليّ، فكانت اللغة تعتمد على النقل السماعي لا الكتابة، وعلى الرغم من وجود الكتابة لكنها لم تكن منتشرة بشكل واسع، واقتصرت على مجالات محدودة كالتجارة أو توثيق العهود، وبسبب هذا الطابع الشفهي للغة جعلها قويةً في ذاكرة العربي، ولكنها قد تتعرض للتحريف أو الضياع.

كما كانت اللغة العربية موزَّعةً على لهجات مختلفة بين القبائل فلكل قبيلة خصائصها في نطق الحروف وبناء الجمل واستخدم المفردات، على الرغم من الفهم المشترك فإن هذا التعدد كان يمكن أن يتسع لولا نزول القرآن بلسان موحِّد.

وقد مثَّل الشعر الجاهلي السجل الثقافي واللغوي للعرب، حُفظت من خلاله مفردات فصيحة وأساليب راقية، غير أن الشعر بطبيعته الفنية لم يكن كافيًا لتأسيس العلوم اللغوية أو ضبط الاستعمال العام للغة العربية.

ولم تكن هناك علوم نحو أو صرف أو بلاغة، حيث كان العرب يتكلمون بالسليقة، ومع دخول الأعاجم في الإسلام لاحقًا، برزت الحاجة إلى وضع قواعد تحمي العربية من اللحن أو الخطأ، وهي الحاجة التي حرّكها القرآن الكريم حيث أراد المسلمون الجدد من الأعاجم قراءته بأسلوب سليم.

لماذا اختار الله اللغة العربية لغة القرآن؟

اختيار اللغة العربية لغةً للقرآن لم يكن اعتباطيًا حاشا لله، بل هو اختيار قائمٌ على ما تتميز به العربية من خصائص فريدة جعلتها الأقدر على حمل الوحي، فاللغة العربية تتسم بسعة مادتها اللغوية وغناها بالمفردات، ومرونتها في الاشتقاق والتصريف فضلًا عن قدرتها على جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة بعبارة واضحة موجزة.

كما ورد في آيات متعددة من القرآن الكريم أنَّه قرآن عربي، وذلك دلالة على شرف اللغة وعلو مكانتها، ويبرز تفوُّق العربية من حيث طاقتها البلاغية، فقد اعتاد العرب على توظيف المجاز والاستعارة والكناية وأساليب الإيجاز، فجاء القرآن على نسق يفوق فصاحتهم، متحديًا بلاغتهم ومعجزًا لفصحائهم.

وقد حمّل النظم القرآني الألفاظ أوسع المعاني التشريعية والتربوية في أوجز التراكيب، بما يحقق مقاصد الهداية، وتفوقت للغة العربية صوتيًا لاكتمال مخارج حروفها ودقتها، ممَّا يجعلها أتمّ توظيفًا لجهاز النطق عنجد الإنسان مقارنة بغيرها من اللغات، فثراء العربية واتساعها الدلالي والبياني كان من أهم أسباب نزول القرآن بها، كما أن هذا الارتباط زادها شرفًا وخلودًا بين لغات العالم.

دور القرآن الكريم في تمكين اللغة العربية ونشرها

إنَّ للقرآن الكريم دورًا مهمًا في تمكينُ اللُّغة العربيَّة وثباتها وبقائها إلى قيام الساعة، ومن أهم ما أحدثه القرآن في العربية من الأثر ما يأتي:

المحافظة على اللغة من الضياع

إنَّ النصَّ القرآني محفوظ وباقٍ حتى يوم القيامة، وبذلك تُحفظ اللغة العربية وتضمن بقائها كذلك، فقد اندثرت كثير من لغات الأمم قبل ذلك، وذهبت بذهاب أصحابها وانتهاء حضارتهم، واللغة العربية كغيرها من اللغات قد تخضع للزوال أو الاندثار، ولكنَّ بقاءها يرجع إلى الدفاع عن القرآن الكريم.

تقوية اللغة والرقي بها نحو الكمال

مما لا شكَّ فيه أنَّ القرآن الكريم هو مصدر القوة والحيوية والطاقة للغة العربية، وبدون هذه الطاقة الربانية ما كانت العربية لتصل ما وصلت إليه من المعاني الفياضة والألفاظ المتطورة والتراكيب الجديدة والأساليب البلاغية العالية، فقد هذَّب القرآن اللغة العربية من الحوشي والغريب فأحالها إلى لغة صافية شفافة جذَّابة، وأدخل فيها معانٍ جديدة لم يكن العرب يعرفونها كالإسلام والإيمان والفرقان والشرك والصوم والصلاة والزكاة وغيرها الكثير.

توحيد لهجات اللغة العربية

كانت اللهجات العربية كثيرة ومتعددة كما هو معروف، فيها الفصيح وفيها الأكثر فصاحة، وقد نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف من أجل أن يخفف العرب تلاوته، وقد كانت لغات العرب متفاوتةً في الفصاحة والبلاغة، وعندما جمع القرآن الكريم كانت لجنة جمعه من الصحابة يرجعون للسان قريش إذا اختلفوا في كلمة ما، وذلك لأن لغة قريش أسهل اللغات وأعذبها وأوضحها وأبينها، وهي لهجة القرآن الكريم التي تقرأه بها الأمة بأجمعها حتى يومنا هذا.

تحويل اللغة العربية إلى لغة عالمية

اللغة تعكس مكانة أهلها الحضارية، والعرب قبل نزول القرآن الكريم لم يكن لهم تأثير عالمي يُذكر، فلم تكن العربية لغة علمٍ أو حضارة، وظلّ انتشارها محدودًا داخل الجزيرة العربية، لكن مع نزول القرآن تغيّر هذا الواقع فقد ارتبطت به العربية فاكتسبت القوة والثبات والبقاء، وأصبحت لغة عالمية ينطق بها الملايين، كما دفع دخول الناس في الإسلام إلى تعلّمها لفهم الدين وأداء العبادات، فكان القرآن الكريم العامل الأبرز في انتشار اللغة العربية ورفع مكانتها بين لغات العالم.

أحدث القرآن في العربية علومًا لم تكن موجودة

وهي علوم التشريع كالحديث والفقه وغيره، وعلوم اللغة مثل النحو والصرف والبلاغة وفقه اللغة، وعلوم فلسفية كالفلسفة الإسلامية والتوحيد وعلم الكلام وغير ذلك من العلوم.

ما هو أثر القرآن الكريم في تطور البلاغة العربية؟

إذا كانت العربية قد ازدهرت بفضل القرآن، فإن البلاغة العربية بلغت ذروتها بفضله، وفيما يأتي شرح للأثر الذي تركه القرآن الكريم في البلاغة العربية:

  • شكّل القرآن الكريم المرجع الأكبر للبلاغيين، فاتخذوه نموذجًا يُحتذى في الفصاحة والبيان، واستندوا إلى آياته في تقعيد القواعد البلاغية.
  • كشف عن مستويات غير مسبوقة من الإعجاز البياني من حيث دقة اختيار الألفاظ وتناسق التراكيب والانسجام الصوتي، ممَّا وسّع أفق النظر البلاغي.
  •  أسهم في نشأة علوم البلاغة الثلاثة وهي علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع، وذلك بهدف فهم أسرار التعبير القرآني وتحليل أساليبه.
  • طوّر أدوات التحليل البلاغي مثل دراسة التقديم والتأخير والحذف والذكر والقصر والالتفات وغيرها، وربطها بالمقاصد الدلالية.
  • أغنى أساليب التصوير الفني عبر التشبيه والاستعارة والكناية، مقدّمًا نماذج تطبيقية راقية أصبحت شواهد للدراسة.
  • وسّع الدلالات اللفظية فاكسب كثيرًا من الألفاظ معاني شرعية وروحية جديدة عمّقت البعد البلاغي لها.
  • رفع الذائقة اللغوية لدى العرب، فصار الاحتكام إلى الأسلوب القرآني معيارًا للحكم على جودة النصوص.
  • أثّر في الأدب العربي شعرًا ونثرًا، إذ حاول الأدباء الاقتباس من نظمه وإيقاعه وصوره البيانية.

مكِّن لغتك العربية مع تطبيق تمكين اللغة العربية من ألف بي

يعطيك تطبيق تمكين العربية من ألف بي تجربة تعليمية رقمية متكاملة صُمّمت لتأخذ بيدك خطوة بخطوة نحو إتقان العربية قراءةً ونطقًا وفهمًا، حيث يوفّر التطبيق محتوى تفاعليًا متدرّجًا يبدأ من أساسيات الحروف ومخارجها، ويمتد إلى التراكيب والأساليب المتقدمة، مع تمارين صوتية تساعد على تحسين النطق وفق القواعد الفصيحة.

كما يربط التعلّم بالنصوص القرآنية، بما يعزّز الفهم اللغوي والروحي في آنٍ معًا، ويجعل اكتساب اللغة أكثر عمقًا وأثرًا، وبفضل الاختبارات التفاعلية يستطيع المتعلّم قياس تقدّمه وتطوير مهاراته بثقة، سواء كان ناطقًا بالعربية يسعى إلى صقل لغته، أو غير ناطقٍ بها يطمح إلى تعلّمها من مصدر موثوق وحديث، وهكذا يصبح تَمكينِ اللُّغة العربيَّة رحلةً سهلة ومرنة ومواكبة لاحتياجات عصرنا الحالي بما فيه من أجهزة رقمية.

ختاما

تجلّى بوضوح أن القرآن الكريم لم يكن مجرد نصٍ معجز في مضمونه الروحي والتشريعي فحسب إنَّما كان حجر الأساس في تمكينِ اللُّغة العربيَّة وترسيخ حضورها عبر التاريخ، فمن خلاله حُفظت العربية من التشتت وتوحّد لسانها ونمت علومها وازدهرت بلاغتها حتى بلغت ذروة نضجها البياني.

كما تحوّلت بفضله إلى لغة علمٍ وحضارةٍ وانتشارٍ عالمي، بعدما كانت محدودة الأثر جغرافيًا، وما يزال هذا الأثر ممتدًا إلى يومنا الحالي، حيث يستمر ارتباط العربية بالقرآن دافعًا لتعلّمها وتعليمها ونشرها، ومع تطوّر الوسائل التعليمية الحديثة باتت فرص تمكين اللَّغة العربيَّة أكبر من أي وقت مضى، بما يضمن استمرار رسالتها الحضارية، ويعزّز حضورها في الأجيال القادمة بوصفها لغة هويةٍ ووحيٍ ومعرفة.

المصادر

إذا وجدت هذه المقالة مفيدة، يرجى مشاركتها مع أصدقائك لنشر المعرفة!
Facebook
LinkedIn
Telegram
X
منشورات أخرى