كيف يمكنني تحسين مهارات القراءة لدى طفلي؟
تمثّل مهارات القراءة الركيزة الأولى في بناء الإنسان المتعلّم، وهي البوابة التي يعبر من خلالها الطفل إلى عوالم المعرفة واللغة والتفكير، فالطفل الذي يمتلك قراءة سليمة وطليقة، يكون أقدر على الفهم وأسرع في التعلّم وأكثر ثقة في التعبير عن ذاته، ولهذا لا يُنظر إلى تعليم القراءة بوصفه مهارة مدرسية إنَّما باعتباره مشروعًا تأسيسيًا طويل المدى يُشكّل مستقبل الطفل الأكاديمي والمعرفي.
وفي بيئتنا العربية والإسلامية يبرز القرآن الكريم لتعليم الطلاب القراءة وتنمية قدراتهم اللغوية، إضافة إلى التربية الإيمانية والتعبدية، فالنصوص القرآنية تمتاز بالضبط الصوتي الكامل والثراء المعجمي الذي تجعلها مادة تعليمية فريدة لتأسيس القراءة السليمة.
وفي هذا المقال سنعرض لكم كيف يمكن أن تكون قراءة النصوص القرآنية وحفظها من أهم طرق تنمية القراءة بالعربية لدى الأطفال، وما هي أهمية تعليم القراءة للأطفال.
كيفية تنمية القراءة عند الأطفال
هناك العديد من الأمور التي يمكن للأهل القيام بها في سبيل مساعدة أطفالهم لتنمية مهاراتهم في القراءة، ولا سيما في مرحلة ما قبل دخولهم إلى المدرسة، وفيما يأتي بعض أساليب تنمية القراءة عند الطفل:
- شجع طفلك على تصور القصة وإنشاء صور ذهنية لها في أثناء القراءة، فذلك يعدُّ وسيلة ممتعة تحبب طفلك في القراءة، وتجعله يشعر بالشخصيات الموجودة في القصص.
- علّم طفلك استراتيجيات تساعده في قراءة الكتب وفهم ما يقرؤونه، حتى لا تكون القراءة صعبة عليهم أو غير مفهومة، لذلك لا بدَّ أن تعلّمهم كيف يعيدون ما لا يفهمونه، وأن يلقوا نظرة على الصور المرفقة، وأن يفكِّروا بالأحداث السابقة واللاحقة في القصة، كلُّ ذلك يجعل طفلك يستمتع بالقراءة.
- اختر لطفلك كتابًا يحبه، قذلك يؤدي إلى زيادة حبّه للقراءة، فحب القراءة يأتي بالممارسة، فاجعله يقرأ ما يحب حتَّى يحبّ ما يقرأ.
- علِّم طفلك القراءة بصوت مسموع فسماعه لما يقرأ فذلك يساعده على فهم ما يقرأ بشكل أفضل.
- ناقش مع طفلك الكتاب الذي ينتهي من قراءته، وأساله ما الذي تعلّمه من أفكار جديدة، فذلك يشجعه على القراءة ويثبت الفكرة لديه.
أهمية القراءة باللغة العربية لدى الطفل
للقراءة بالعربية أهمية بالغة لدى الطفل العربي، فاللغة العربية هي الوعاء الثقافي والديني والمعرفي كما أنها لغة الهوية، وفيما يأتي أهمية القراءة بالعربية للأطفال:
ترسيخ الهوية اللغوية والثقافية
تُعدّ القراءة باللغة العربية ركيزة أساسية في بناء الهوية اللغوية لدى الطفل العربي، لأنها تمكّنه من الارتباط المباشر بثقافته وتراثه الحضاري والديني، فاللغة العربية هي وعاء المعرفة والتاريخ والقيم وليست مجرد أداة تواصل، ومن خلالها يتعرّف الطفل على موروثه الأدبي والفكري، وعندما يعتاد الطفل القراءة بالعربية منذ الصغر، تتكوّن لديه ألفة لغوية تجعله أكثر اعتزازًا بلغته وأكثر قدرة على استخدامها في مواقف الحياة المختلفة، كما تسهم في حمايته من الازدواجية اللغوية وضعف الانتماء اللغوي الذي قد ينشأ في البيئات متعددة اللغات.
تحسين التحصيل الدراسي
ترتبط إجادة القراءة بالعربية ارتباطًا مباشرًا بمستوى التحصيل الدراسي لدى الطفل؛ لأن اللغة العربية هي لغة التعلّم الأساسية في معظم المواد الدراسية، فالطفل الذي يمتلك مهارات قراءة قوية يكون أقدر على فهم نصوص العلوم، واستيعاب مسائل الرياضيات اللفظية، وتحليل أسئلة الاختبارات، كما تساعده القراءة الجيدة على متابعة الشرح والبحث الذاتي وإنجاز الواجبات بكفاءة أعلى، ممَّا ينعكس إيجابًا على نتائجه الأكاديمية وثقته بقدراته التعليمية.
تنمية مهارات التفكير والتحليل
القراءة لسيت مقتصرة على فكّ الحروف والكلمات، إنَّما تتجاوز ذلك إلى تنشيط العمليات العقلية العليا، فحين يقرأ الطفل نصوصًا عربية متنوعة يتدرّب على التحليل والاستنتاج والربط بين الأفكار وفهم العلاقات السببية، كما تسهم القراءة في تنمية الخيال وتعزيز القدرة على التوقّع وتكوين الرأي، ومع الاستمرارية يصبح الطفل أكثر وعيًا بالنصوص وأكثر قدرة على مناقشتها ونقدها، وهو ما يُعدّ أساسًا لتنمية التفكير النقدي.
بناء الثروة اللغوية والمعجم اللفظي
في كل تجربة قراءة يخوضها الطفل تضيف إلى رصيده اللغوي مفردات وتراكيب وأساليب جديدة، فالقراءة بالعربية تتيح له التعرّف على الألفاظ الفصيحة وصيغ الجمع والمشتقات والتعابير البلاغية، ممَّا يوسّع قاموسه اللغوي تدريجيًا، وتراكم هذه المفردات ينعكس بدوره على قدرته في الفهم السريع للنصوص، وعلى دقّة اختياره للكلمات عند الحديث أو الكتابة، وهو ما يشكّل قاعدة متينة للتمكّن اللغوي الشامل.
تطوير مهارات التعبير الشفهي والكتابي
تُغذّي القراءة مهارات التعبير لدى الطفل تغذية مباشرة؛ فالطفل القارئ يمتلك نماذج لغوية جاهزة يستدعيها عند التحدّث أو الكتابة، ومع كثرة اطّلاعه على التراكيب والأساليب يصبح أكثر قدرة على صياغة الجمل السليمة وكتابة الفقرات المترابطة، والتعبير عن أفكاره بطلاقة ووضوح، كما تسهم القراءة الجهرية في تحسين مخارج الحروف والتنغيم الصوتي، وهو ما ينعكس على جودة التواصل الشفهي وثقة الطفل أثناء الحديث أمام الآخرين.
دور القرآن الكريم في تعزيز مهارات اللغة العربية عند الأطفال
يلعب القرآن الكريم دورًا مهمًا جدًا في تعزيز مهارات الكتابة والقراءة والتحدث باللغة العربية لدى الأطفال، حيث يسهم في تطوير مهارات القراءة من خلال تدريبهم على إتقان الصوتيات العربية ونطق الحروف نطقًا سليمًا، وهذا ما يرسّخ أساسًا قويًا يمكنهم من قراءة مختلف النصوص بطلاقة وثقة، كما يدعم مهارات الكتابة عبر تعلّم الخط العربي واكتساب أنماط الكتابة الصحيحة، فضلًا عن كونه مصدرًا ثريًا لتعلّم التراكيب النحوية السليمة وبناء الجملة الفصيحة.
وعلى مستوى مهارات التحدث تعزّز التلاوة الشفهية وحفظ الآيات القدرة على التعبير الشفهي وتحسين مخارج الحروف والتنغيم اللغوي من خلال تطبيق أحكام التجويد، إضافة إلى ذلك يثري القرآن الحصيلة المعجمية للأطفال بما يحتويه من مفردات عربية أصيلة، ويساعدهم على تنمية الفهم والاستيعاب عبر تدبّر المعاني وتحليلها، وهو ما ينعكس إيجابًا على كفاءتهم اللغوية الشاملة، خاصة في البيئات التي تشكّل فيها العربية لغة أساسية والتعليم الإسلامي إطارًا ثقافيًا وتعليميًا حاضرًا.
كيف أنمّي مهارات القراءة للأطفال عبر النصوص القرآنية؟
يمكن تنمية مهارات القراءة للأطفال عبر النصوص القرآنية بطريقة عملية ومنهجية من خلال توظيفها داخل برنامج تعليمي متكامل يجمع بين التلاوة الموجّهة والتحليل اللغوي والتطبيق القرائي المتدرّج، وذلك من خلال ما يأتي:
- يبدأ البرنامج باختيار سور قصيرة واضحة مثل سور جزء عمّ، حيث يقرأ الطفل الآيات قراءة جهرية بعد الاستماع إلى قراءة صحيحة، مما يعزّز الطلاقة الصوتية ودقة النطق لديه.
- ينتقل بعد ذلك إلى ربط الصوت بالرسم عبر تتبّع الكلمات في المصحف وتحديد الحركات وتمييز المدود، وهو ما يدعم الوعي اللغوي عند الطفل الضروري لفكّ الرموز في مختلف النصوص العربية.
- تُستخرج مفردات مختارة من الآيات لشرحها وتوظيفها في جمل حياتية معاصرة، والأمر الذي يوسّع الحصيلة اللغوية وينقل أثر القراءة من النص القرآني إلى اللغة اليومية للطفل.
- يستكمل البرنامج بأنشطة مرافقة مثل الإملاء القرآني أو ترتيب كلمات الآيات.
ختاما
إن تنمية مهارات القراءة لدى الأطفال عبر النصوص القرآنية تمثّل نموذجًا تربويًا متكاملًا يجمع بين الأصالة والفاعلية التعليمية، فالقرآن الكريم ليس كتاب هداية فحسب، بل هو مدرسة لغوية وصوتية وبلاغية متكاملة، وقادرة على تأسيس القراءة العربية على أسس راسخة وقوية، وعندما يُحسن المربّي استثمار التلاوة والتكرار والتحليل والأنشطة المرافقة يتحوّل تعليم القرآن إلى مشروع تمكين لغوي شامل يُنتج طفلًا قارئًا وواعيًا وفصيحًا ومرتبطًا بلغته وهويته، فإن بناء جيل متمكّن من القراءة يبدأ من نصٍّ متقن ولا نصّ أتقن من كتاب الله.
وانطلاقًا من هذا التوجّه يعمل تطبيق تمكين العربية من ألف بي على تقديم نماذج تعليمية حديثة تربط بين تعليم اللغة العربية ومصادرها الأصيلة وفي مقدّمتها النصوص القرآنية، وذلك عبر استراتيجيات تفاعلية تُراعي خصائص التعلّم لدى الأطفال وتدعم بناء القارئ المتمكّن لغويًا وفكريًا، حيث يسمع الطفل الآية صوتيًا ويقرؤها مكتوبة بخط واضح.


